محمد ابو زهره

46

خاتم النبيين ( ص )

وإن الذلة كانت تجرى في دمائهم ، حتى إنه إذا جاءهم من يريد لهم العزة استنكروا ما يدعو إليه ، وإن صدقوه جعلوه معبودا أو كالمعبود ، وأطاعوه في الخير والشر ، وتصوروا فيه ما ألفه اباؤهم من تقديس لقوله ، وإطاعة لعمله ، يذوقون الجوع والعري ، ويرضون ، لأنهم كانوا مع فرعون فلا يتصورون الطاعة ، إلا لمن يشبه . إن موسى عليه السلام عندما بعثه الله تعالى بعثه في غير مصر ، وفي غير أرض فرعون ، ولما دعا فرعون بدعوة الحق لم يجد مستجيبا إلا من السحرة ، وعدد من الشعب ليس بالكثير ، فما امن من قوم فرعون إلا قليل ، وخرج ببنى إسرائيل ناجيا بهم . وأطبق البحر على فرعون ، وخرج إلى سيناء ليدعو بدعاية الحق ، ولكنهم لم يصلحوا لتمرسهم بما كان عليه المصريون حتى أنهم أرادوا أن يتخذوا من عجل صنعوه لأنفسهم إلها ، كما كان المصريون يعبدون العجل ، وهانت نفوسهم كشأن المصريين ، حتى أن موسى عندما طلب منهم أن يدخلوا الأرض التي كتب الله تعالى لهم أن يدخلوها ، غلبت عليهم شقوتهم ، وغلب عليهم الذل الذي أذاقهم فرعون كؤوسه . واقرأ ما حكاه القران الكريم عنهم ، فقد قال موسى يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ . قالُوا يا مُوسى ، إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها ، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ . قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ ، فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها ، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ . قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ « 1 » . كان ذلك من تأثير إذلال فرعون ، فكتب الله عليهم التيه أربعين سنة ، حتى يتربوا على البأس والقوة ، ويجيء جيل يغالب . ولو تركنا الشرق الأدنى إلى الهند لوجدنا الطبقات قد قتلت فيها النخوة ، ودفعت شعبها إلى الاستسلام للذل ، إذن فليس لدعوة الحق والعزة والحرية إلا العرب .

--> ( 1 ) سورة المائدة : 21 - 26 .